الإيمان والدين الإيمان والدين

هل يمكن أن تتعارض حقيقة علمية قطعية مع نص قرآني؟

من القضايا التي يثيرها بعض المشككين بين حين وآخر دعوى وقوع التعارض بين الحقائق العلمية والنصوص القرآنية. وقد رسخ في أذهان بعضهم أن التقدم العلمي الحديث قد يكشف ما يخالف الوحي، أو أن القرآن يقدّم صورة للكون والحياة لا تنسجم مع ما توصل إليه العلم.

هل يمكن أن تتعارض حقيقة علمية قطعية مع نص قرآني؟
كتبه الدكتور أحمد سنان الكامل
تفسير القرآن الكريم

نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء الإعجاز العلمي في القرآن والسنة
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
أمين عام هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في الصومال والقرن الأفريقي
عميد كلية الاعجاز العلمي في القرآن والسنة "أونلاين".
عضو هيئة التدريس بجامعة النجاح الإسلامية الصومال - برعو
مدير تحرير النسخة العربية للمجلة الأكاديمية للإعجاز
ومدير تحرير موقع الاتحاد العالمي لعلماء الإعجاز

من القضايا التي يثيرها بعض المشككين بين حين وآخر دعوى وقوع التعارض بين الحقائق العلمية والنصوص القرآنية. وقد رسخ في أذهان بعضهم أن التقدم العلمي الحديث قد يكشف ما يخالف الوحي، أو أن القرآن يقدّم صورة للكون والحياة لا تنسجم مع ما توصل إليه العلم. وهذه الدعوى تحتاج إلى بيان علمي دقيق، يفرق بين الحقائق والنظريات، وبين النص القرآني وتفسير البشر، حتى يتضح أن التعارض المزعوم لا واقع له.

 

أول ما ينبغي تقريره أن النص القرآني القطعي الدلالة لا يمكن أن يتعارض مع حقيقة علمية قطعية، لأن مصدر العلم الصحيح والوحي كلاهما الحق سبحانه. فالله هو الذي خلق الكون، وهو الذي أنزل الكتاب، ولا يمكن أن يقع التناقض بين صنعه وكلامه، كما قال تعالى: أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً.

 

وعند تتبع الحالات التي ادُّعي فيها وجود تعارض، يتبين أنها لا تخرج عن ثلاثة أنواع:

 

النوع الأول: نظرية علمية ظُنّت حقيقة ثم تغيّرت.

وهذا مما نشأ عنه معظم الإشكالات. في القرون الماضية عُدّت بعض الأفكار “حقائق ثابتة”، مثل نظرية الأثير، وثبات القارات، وقدم الكون، ثم أثبت العلم لاحقاً بطلانها تماماً. كان التعارض إذن مع نظرية غير ثابتة، لا مع حقيقة علمية قطعية.

 

النوع الثاني: تفسير بشري للنص، لا النص نفسه.

فالقرآن كلام الله، أما التفسير فهو اجتهاد بشري يصيب ويخطئ. كثير من الإشكالات نشأت عندما فسّر بعض العلماء آيات معينة تفسيراً ضيقاً أو جزئياً، ثم ظهر لاحقاً أن النص أوسع وأشمل من ذلك التفسير. التعارض هنا مع فهم بشري، لا مع القرآن.

 

النوع الثالث: مسألة علمية لم تبلغ مرحلة الحقيقة.

بعض الموضوعات في علم الكون، وأصل الحياة، والوعي، وتركيب الفضاء العميق، ما زالت في طور النظريات والاحتمالات. فإذا جاء شخص وقال إن هذه “الحقيقة” تخالف القرآن، فهو في الحقيقة يضع الظن في مواجهة اليقين، ويجعل النظري معياراً للحكم على القطعي.

 

ومن الأمثلة التي كان يُظن أنها تعارض القرآن ثم أثبت العلم صدق الآية: قوله تعالى: والشمس تجري لمستقر لها. كان الاعتقاد القديم أن الشمس ثابتة، ثم اكتشف العلم أنها تجري بسرعة هائلة حول مركز المجرة. ومثل ذلك قوله تعالى: وجعلنا من الماء كل شيء حي، وقد تبين أن كل صور الحياة المعروفة، حتى الفيروسات، لا تعمل مادتها الوراثية إلا في وسط مائي، مما يعزز عمومية الآية ودقتها.

 

وبالمثل قوله تعالى: {والسماء ذات الرجع}، وقد أثبتت علوم الفضاء أن طبقات الغلاف الجوي ترجِع الأشعة والشحنات والغازات والرطوبة إلى الأرض بآليات معقدة لم تكن معروفة قبل القرن العشرين. وكذلك قوله تعالى: من بين فرث ودم لبناً خالصاً، الذي أدهش المفسرين قديماً، ثم كشف التشريح الحديث أن اللبن يتكون فعلاً بين الدم ومحتوى الأمعاء عبر شبكة امتصاص دقيقة.

 

هذه النماذج تؤكد القاعدة: لا يوجد في تاريخ العلوم كلها حقيقة قطعية واحدة تعارض نصاً قرآنياً قطعياً. وكل ما ظُن تعارضاً مرده أحد أمرين: إما نظرية غير مكتملة، وإما فهم بشري غير دقيق للنص.

 

إن انسجام الحقائق الكونية مع القرآن هو أحد وجوه إعجازه، لأن القرآن لا يقدّم تفاصيل علمية، لكنه يستخدم ألفاظاً ذات دقة مدهشة وشمول وانفتاح على المستقبَل العلمي. ولذلك فإن العلماء المؤصّلين للإعجاز العلمي يجمعون على قاعدة: إذا كان النص قطعياً والعلم قطعياً، استحال التعارض.

 

ومن هنا يبقى القرآن كتاب هداية وإعجاز وحق، لا يناقض العلم ولا يناقضه العلم، لأن مصدرهما واحد، ولأن الحق لا يتصادم مع الحق، وإنما قد يخطئ البشر في الفهم أو العلم. ولذلك فإن كل “تعارض” يدّعيه البعض إنما هو وهم مصدره القراءة الجزئية، أو الاعتماد على النظريات المتغيرة، أو إسقاط التفسيرات البشرية على النصوص الإلهية.

 

وبعد أكثر من أربعة عشر قرناً من نزول القرآن، ومع آلاف الاكتشافات العلمية، لم تُسجَّل حالة واحدة يُثبت فيها العلم القطعي مخالفة لآية قطعية. بل على العكس، تتكشّف مع الزمن آفاق جديدة تُظهر في ألفاظ القرآن سعةً وعمقاً ودقة لا حد لهما، وتشهد بأن هذا الكتاب ليس من كلام البشر، وإنما هو وحي من عند الله الذي خلق الكون وقدّر مسيره.