الإعجاز العلمي في قوله تعالى:
{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}
(سورة الأنعام: 141)
تُعد هذه الآية الكريمة من أوسع الآيات القرآنية تناولًا للنبات من حيث أنواعه وتنوعه وخصائصه وتركيبه ووظائفه. وقد جمعت في تراكيبها الموجزة بين الإعجاز اللغوي والتشريعي والعلمي، بما يبرز دقة القرآن في وصف حقائق كونية لم تُكتشف إلا بوسائل العلم الحديث، مما يجعلها أصلًا في علم النبات القرآني.
أولاً: الإعجاز في التصنيف النباتي
قوله تعالى: "جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ"، تعبير بديع يشير إلى طريقتين للنمو النباتي:
المعروشات: وهي النباتات المتسلقة التي تحتاج إلى دعائم، مثل العنب والبقوليات.
غير المعروشات: النباتات القائمة التي تنمو دون دعامات، مثل النخيل والزروع.
وهذا التقسيم دقيق تمامًا من منظور علم النبات الحديث الذي يصنّف النباتات بحسب طريقة النمو (متسلقة – قائمة – زاحفة). فالآية تشير إلى هذا التباين الطبيعي في الشكل البنيوي للنباتات بطريقة بليغة جامعة.
ثانيًا: الإعجاز في التنوع الوراثي
قال تعالى: {وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ}، أي تختلف ثمار الزروع في الطعم والرائحة والمنفعة رغم اشتراكها في التربة والماء والهواء.
وقد أثبت علم الوراثة النباتي أنّ السبب في هذا الاختلاف هو التنوع الجيني (Genetic Variation)، إذ يحمل كل نبات شيفرة وراثية مميزة تحدد صفاته ومكوناته الكيميائية. وهذه الحقيقة العلمية الدقيقة أشارت إليها الآية بلفظ موجز جامع قبل أن تُعرف قوانين الوراثة بأكثر من ثلاثة عشر قرنًا.
ثالثًا: الإعجاز في التشابه الظاهري والاختلاف الداخلي
قال تعالى: {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ}، أي تتشابه هذه الثمار في الشكل أو اللون، لكنها تختلف في الطعم والقيمة الغذائية والمكونات الداخلية.
وهذا من الإعجاز العلمي الدقيق؛ إذ أكدت الدراسات الكيميائية أن ثمار الرمان أو الزيتون من النوع الواحد قد تختلف اختلافًا كبيرًا في تركيبها الغذائي ومحتواها من الزيوت والسكريات والعناصر المعدنية تبعًا لاختلاف البيئة والمناخ، رغم تماثل شكلها الخارجي.
رابعًا: الإعجاز في التوجيه الزراعي والغذائي
قال تعالى: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ}، وهو أمر إلهي يتضمن توجيهًا غذائيًا دقيقًا إلى ضرورة تناول الثمار بعد اكتمال نضجها. وقد ثبت علميًا أن الثمار قبل النضج تحتوي على مواد غير مكتملة أو مركّبات قد تكون ضارة بجسم الإنسان، وأن النضج التام هو الوقت الأمثل لاستهلاك الثمار من حيث القيمة الغذائية والسلامة الصحية.
خامسًا: الإعجاز في الاقتصاد الزراعي وحفظ البيئة
قال تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا}، وهذا توجيه رباني يجمع بين العدل الاجتماعي والتوازن البيئي:
فالأمر بإيتاء الحق يوم الحصاد يتضمن البعد الإنساني والاجتماعي في توزيع خيرات الأرض.
والنهي عن الإسراف يعكس مبدأ بيئيًّا عالميًّا في إدارة الموارد الطبيعية، إذ يدعو إلى الترشيد الزراعي وعدم إهدار المحاصيل أو استنزاف الموارد.
سادسًا: الإعجاز في الشمول الغذائي
الآية ذكرت أربعة أنواع رئيسية من النباتات:
الجنات، النخل، الزرع، الزيتون، والرمان.
وقد تبين أن هذه الأنواع الخمسة تمثل الأساس الغذائي للإنسان، إذ تحتوي على أهم المجموعات الغذائية:
النخيل والزرع: مصدر السكريات والنشويات.
الزيتون: مصدر الدهون الصحية.
الرمان والفواكه: مصدر الفيتامينات والمعادن ومضادات الأكسدة.
وهذا التوازن الغذائي يشير إلى حكمة الخالق في تنويع الأقوات بما يحقق التوازن الصحي للإنسان.
الخاتمة:
إن هذه الآية الكريمة تمثل لوحة قرآنية جامعة، تتضمن إشارات دقيقة إلى:
- تصنيف النباتات.
- التنوع الوراثي.
- الاختلاف الكيميائي.
- النضج الحيوي.
- الاقتصاد الزراعي.
- الشمول الغذائي والبيئي.
وكل وجه من هذه الوجوه يثبت أن القرآن الكريم كلام الله الذي أحاط بكل شيء علمًا، وأنه مصدر دائم للهداية والمعرفة والعلم النافع للبشرية.
إعداد:
د. أحمد سنان الكامل
راجعه :
د. عصام عبدالرحمن الحافظ
الطبيعة وعلم الأحياء
الإيمان والدين
اللغة والنحو