مقال توجيهي يضع الأمور في نصابها
من أخطر ما شاع في العقود الأخيرة أن بعض المتخصصين في العلوم التجريبية ـ كالطب أو الفلك أو الجيولوجيا أو الكيمياء ـ صاروا يخوضون في تفسير آيات القرآن الكريم بدعوى خدمة "الإعجاز العلمي"، دون امتلاك أدوات التفسير ولا معرفةٍ راسخة بلغة الوحي ومقاصده، فوقع كثير منهم في مزالق علمية وتفسيرية شوهت هذا الباب الشريف، ودفعت بعض العلماء إلى التشكيك في أصل فكرة الإعجاز العلمي، مع أنها من دلائل إعجاز القرآن الثابتة إذا التُزِمت ضوابطها الشرعية والعلمية.
أولاً: التخصص في الإعجاز العلمي ذو وجهين متكاملين
الإعجاز العلمي يقوم على ركنين أساسيين لا ينفصل أحدهما عن الآخر:
1. التخصص الشرعي التفسيري: وهو فهم النص القرآني في ضوء اللغة والسياق وأسباب النزول ومناهج المفسرين، والوقوف عند حدود الدلالة اللغوية التي يحتملها النص، بلا تكلف ولا تحميل للآيات ما لا تحتمله.
2. التخصص العلمي التجريبي: وهو إدراك الحقائق الثابتة في ميدان العلوم الطبيعية والطبية والفلكية وغيرها، بعيداً عن النظريات المتغيرة أو الفرضيات الظنية.
فالمتخصص في الإعجاز العلمي الحق ليس هو الطبيب أو الفلكي أو الجيولوجي بمفرده، ولا هو المفسر وحده؛ بل هو نتاج التعاون بين الفريقين: المفسر الذي يضبط دلالات النص، والعالم التجريبي الذي يحدد الحقيقة العلمية الثابتة. فإذا اجتمع التخصصان تحت منهج علمي رصين، ظهر الإعجاز على وجهه الصحيح.
ثانياً: خطر التجرؤ على تفسير الآيات بغير علم
لقد حذّر السلف من القول في القرآن بغير علم، وعدّوه من الكبائر. قال النبي ﷺ:
> «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» (رواه الترمذي).
وذلك لأن تفسير كلام الله يحتاج إلى أدوات دقيقة: معرفة بلغة العرب، وأسباب النزول، وعلوم البلاغة، ومقاصد الشريعة، وأصول الفقه، وغير ذلك مما لا يتقنه من لم يتعلم علوم الوحي.
أما أن يأتي الطبيب أو المهندس أو الفلكي فيجعل تخصصه التجريبي أساساً لتفسير النص، فيحمِّل الآية نظريةً أو تصوراً علمياً قد يثبت بطلانه بعد حين، فهذا نوع من القول على الله بغير علم، وتشويه لمعاني القرآن.
ثالثاً: موقف العلماء الراسخين
أئمة الإعجاز العلمي الراسخون ـ كالعلامة عبد المجيد الزنداني رحمه الله، والدكتور عبدالله المصلح، وغيرهم ـ أكدوا أن الإعجاز العلمي ليس تفسيراً علمياً للقرآن، بل هو بيان لمطابقة الحقيقة العلمية الثابتة لما أشار إليه النص.
وقد وضعوا لذلك ضوابط، أهمها:
1. ألا يُقال إن الآية "تدل على" الحقيقة العلمية إلا إذا كانت دلالتها تحتملها لغةً وسياقاً.
2. ألا تُستند التفسيرات إلى النظريات المتغيرة.
3. أن يكون البيان ناتجاً عن فريق علمي شرعي مشترك.
4. ألا يُقدَّم الإعجاز العلمي بديلاً عن التفسير المأثور، بل تابعاً له ومؤيداً.
رابعاً: متى يجوز لغير المفسر المشاركة في الإعجاز العلمي؟
يجوز لغير المفسر أن يسهم في ميدان الإعجاز العلمي من خلال تخصصه الدقيق، بأن يقدّم المعلومة العلمية المؤكدة للفريق البحثي، أو يقارن بين الحقيقة التجريبية واللفظ القرآني بعد عرضه على أهل التفسير، لكن لا يجوز له أن يستقل بالتفسير أو يستنبط الإشارة العلمية من الآية بمفرده.
فالمفسر يبين دلالة النص، والعالم يبين الحقيقة الكونية، ثم يتم الوصل بينهما في ضوء ضوابط اللغة والشريعة.
خامساً: دعوة للتقوى والمنهجية
ينبغي لكل من يتصدر للحديث عن الإعجاز العلمي أن يستحضر خشية الله وتعظيم كلامه، وألا يتعامل مع القرآن ككتاب فيزياء أو فلك، بل هو كتاب هداية وبيان، يُستنبط منه الإعجاز لتقوية الإيمان لا لإثبات سبقٍ علمي أو شهرة إعلامية.
قال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً} [الإسراء: 36].
خاتمة
المتخصص في علم الإعجاز العلمي إذن هو الذي يجمع بين العلم بكتاب الله والعلم بخلق الله، أو يعمل ضمن فريقٍ يضمّ هذين الجانبين.
أما من يتجرأ على تفسير الآيات بعقله أو بمجرد تخصصه التجريبي، فقد خالف منهج العلماء وأساء إلى القرآن أكثر مما خدمه.
والمطلوب اليوم هو إقامة مراكز بحثية مشتركة تضم المفسرين والعلماء، تحت إشراف لجان علمية شرعية، تحفظ قدسية النص وتُظهر وجه الإعجاز على بصيرة.
الإيمان والدين
الطبيعة وعلم الأحياء
اللغة والنحو